غزة.. "السعافين" تتحدى عتمة الإصابة وترسم بعين واحدة

13:1310/04/2026, الجمعة
الأناضول
غزة.. "السعافين" تتحدى عتمة الإصابة وترسم بعين واحدة
غزة.. "السعافين" تتحدى عتمة الإصابة وترسم بعين واحدة

- غارة إسرائيلية أفقدت الشابة الفلسطينية أريج السعافين شقيقها أمين وجزءا من ذاكرتها الحية وعينها اليمنى بالكامل - لم يعد الرسم بالنسبة لها مجرد مهارة أو موهبة، بل أصبح وسيلة للبقاء..

في ركنٍ داخل منزلٍ لم يعد كما كان بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، حيث تتجاور الجدران المتشققة مع بقايا ألوان قديمة، وتقف الشابة الفلسطينية أريج السعافين أمام جدارٍ متشقق، تمسك بحجر فحم كما لو كانت تتكئ عليه.

تقرّب السعافين (26 عاما) وجهها من السطح الخشن، توازن نظرتها بعينها اليسرى الوحيدة، ثم تبدأ برسم خطوط أولى لوجه إنساني يخرج تدريجيا من بين آثار الدمار.

ببطءٍ شديد، تتحرك يدها، وكأنها تعيد ترتيب العالم من جديد. خلفها، تتسلل والدتها بهدوء، وتراقبها بصمت. وتتجول قرب قدميها، قطة صغيرة، ترفع رأسها بين الحين والآخر، وكأنها تراقب اللوحة التي تولد على الجدار.

تنحني أريج قليلا، تمرر يدها على رأسها، تبتسم، ثم تعود إلى الرسم. لحظة عابرة تختلط فيها الألفة بالحياة، في مساحة طالها الخراب.

لم تكن هذه البداية التي تخيلتها أريج لنفسها يوما، فقبل أشهر قليلة، كانت ترسم البورتريه بدقة لافتة، تلتقط ملامح الوجوه وتفاصيل العيون، وتمنحها حياة كاملة على الورق، لكن كل شيء تغيّر في لحظة واحدة.

**تحقق الرؤيا

تستعيد أريج ما حدث معها في حديثها مع مراسل الأناضول وتقول بصوت خافت: "كنت قد رأيت في منامي سماء غزة سوداء، والطائرات تسقط منها كالمطر.. لم أكن أعلم أن الحلم سيتحول إلى حقيقة".

وفي الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2024، سقطت قذيفة على منزل عائلة السعافين، فاختلطت الأصوات، وغاب كل شيء في لحظة.

حين استعادت أريج وعيها، لم يكن الألم الجسدي وحده ما ينتظرها. فقدت شقيقها أمين، وفقدت معه جزءاً من ذاكرتها الحية، كما فقدت عينها اليمنى بالكامل. وبين العمليات الجراحية والنزيف والإصابات، بدأت رحلة جديدة لم تكن مستعدة لها.

وتضيف: "عندما أخبروني أنني فقدت عيني، شعرت أنني فقدت جزءا من نفسي.. كنت أرسم العيون، كنت أعيش التفاصيل".

تتوقف قليلا، تنظر إلى الجدار، ثم تضيف: "الآن أرى نصف المشهد فقط، لكنني أحاول أن أكمله بما أشعر به".

لم يعد الرسم بالنسبة لها مجرد مهارة أو موهبة، بل أصبح وسيلة للبقاء. كل خط ترسمه هو محاولة لاستعادة توازنها، وكل ظل تضيفه هو تعويض عن عمقٍ بصري فقدته.

فالجدار الذي ترسم عليه ليس مجرد مساحة، بل هو امتداد لذاكرتها، وسجلٌّ مفتوح لما عاشته.

**رفض الانكسار

في اللوحة التي تعمل عليها، تظهر ملامح وجه بعيون واسعة، تحدّق بثبات، وكأنها ترفض الانكسار، ربما هو وجه يشبهها، أو يشبه غزة كلها.

وتجلس أريج قليلا لتستريح، تمسك القطة وتضمها إلى صدرها، ثم تعود واقفة، كأن التوقف ليس خيارا طويلا. في الخلفية، تراقبها والدتها مجددا، تحمل عبء الخوف والأمل معا، لكنها تترك لابنتها مساحة المواجهة.

"لم أخسر كل شيء"، تقول أريج بنبرة أكثر ثباتا، "خسرت عيني، لكنني لم أخسر قدرتي على الحلم"، ترفع رأسها نحو الجدار، تتابع خطوطها، وتضيف: "سأرسم حتى أستعيد نفسي، وحتى يرى العالم ما نحمله في داخلنا".

وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بدأت إسرائيل وبدعم أمريكي حرب إبادة جماعية على غزة استمرت عامين، خلفت أكثر من 72 ألف قتيل ونحو 172 ألف جريح فلسطينيين.

وبالإضافة إلى القتلى والجرحى، خلفت الحرب دمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية في غزة بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد تم تسجيل نحو 6 آلاف حالة بتر وشلل ضمن منظومة "صحتي"، نتيجة الإصابات الناجمة عن الحرب، في مؤشر على اتساع رقعة الإعاقات الدائمة في قطاع غزة.

#أريج السعافين
#الإبادة الإسرائيلية
#غزة
#فلسطين