
كشفت شهادات الناجين فظائع ارتكبها النظام السوري السابق داخل "مستشفى تشرين العسكري" بدمشق، حيث تحولت المنشأة الطبية إلى موقع للاعتقال والإعدام الجماعي. روى المواطن باسل فران تفاصيل مروعة عن إعدام الأطفال والتعذيب ليلاً، مطلعاً على دور المسؤول الملقب بـ"عزرائيل" في اختيار الضحايا، في وثيقة حية على جرائم الحقبة الأسدية.
تحول مستشفى تشرين العسكري الواقع في العاصمة السورية دمشق خلال فترة حكم نظام الأسد المخلوع من مرفق طبي يفترض أنه للإنقاذ، إلى مركز احتجاز وإعدام يروي ناجون منه فظائع لا يمكن تصورها. عاد هذا الموقع إلى دائرة الضوء مؤخراً بعد تداول مقاطع مصورة تظهر الظروف الوحشية داخله، مؤكدة تحوله إلى أحد رموز الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الحقبة الأسدية.
يتحدث المواطن السوري باسل فران، الذي قضى تسعة أشهر داخل جدران هذا المرفق الطبي، عن الظروف الوحشية التي عاشها خلال فترة احتجازه، منصفاً إياه بـ"مستشفى الموت" بدلاً من مكان للعلاج. يعود بذاكرته إلى العام 2013 حين أصيب جراء غارة جوية، فلجأ إلى مستشفى خاص تجنباً للوقوع بأيدي الأجهزة الأمنية، لكن القبضة الأمنية للنظام المنهار نجحت في اعتقاله عقب شفائه، ليجد نفسه محتجزاً داخل أسوار تشرين العسكري.
استقر به الحال في المبنى القديم المعروف بـ"قسم الصدمات"، الذي جرى تحويله إلى زنازين جماعية تضم معتقلين من مختلف الفصائل الأمنية التابعة للنظام السابق. يؤكد الناجي أن المنشأة لم تكن تقدم أي مساعدة طبية، بل كانت محطة نحو حتف محقق، حيث يقول: "لم نأتِ للمعالجة، جئنا لإزهاق الأرواح".
ليالي الإعدام ومجازر الأطفال
يفقد فران عائلته إحدى تلو الأخرى؛ فشقيقه البالغ من العمر اثنتي عشرة ربيعاً يرحل عام 2011، ثم والده عام 2014 داخل أسوار سجن صيدنايا الملقب بـ"المسلخ البشري"، بينما هو نفسه يتوقع الموت في كل لحظة. يصف أوضاع الاحتجاز القاسية حيث كان أربعة معتقلين يربطون بشكل جماعي على سرير واحد، في ظروف لا تصلح للبشر.
مع غروب الشمس، كانت تنطلق عمليات الإعدام الجماعي بهدف تخفيف الاكتظاظ داخل الزنازين، وفق روايته. لا يستمر المعتقلون طويلاً في هذه الأقبية، فأغلبهم يلفظ أنفاسه الأخيرة خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى، إما بسبب الأمراض أو جروح التعذيب.
بين المشاهد المؤلمة التي تركت ندوباً في ذاكرته، يروي فران واقعة إعدام جماعي طال نحو خمسة عشر طفلاً في وقت متقارب. يصف طريقة إعدامهم الوحشية: "لم يمكثوا كثيراً، فقد كان الحراس يخنقونهم بأيديهم، اثنان أو ثلاثة لكل طفل، حتى يفارقوا الحياة جماعياً". يروي كذلك حالة مسنّ فضل الانتحار على الاستمرار في العذاب، حيث تحطم بجسمه زجاج النافذة بعد سلسلة من الإهانات والتعذيب المتواصل.
جلاد يحمل اسم "عزرائيل"
يبرز اسم خلدون، المعروف بلقب "عزرائيل" بين المعتقلين، وهو المسؤول الذي كان يحمل صلاحية حياة الناس وموتهم بقراره الشخصي. ينجو فران بأعجوبة من حد السيف حين نقل قبل يوم واحد من موعد إعدامه المحدد، بعد أن أبلغه "عزرائيل" بالاستعداد لليلة المصيرية.
يكشف سر صموده النفسي: العزلة التامة عن العالم الخارجي والانغماس الكامل في واقع المعاناة اليومي، حتى لا يفقد العقل في مواجهة الجحيم. استمرت رحلة العذاب تسعة أشهر في تشرين، ثم نقل إلى منشأة في عدرا بريف دمشق الشمالي لخمسة أشهر إضافية.
النجاة من الموت وشهادة الحقيقة
حرر عام 2014، لكن الأمان لم يعد إلى دياره، فلاذ بالأردن هارباً من جحيم الأسد، حيث لا يزال يعاني من وطأة الذكريات. صدمته زوجته بمقطع مصور تداوله النشطاء، فتعرف فيه على نفسه مكبلاً، فعادت به الذاكرة إلى سنوات الرعب.
يؤكد فران أن الكثيرين كانوا يشكون بروايات الناجين، لكن الفيديوهات التي انتشرت مؤخراً كشفت الحقيقة المرة للعالم أجمع، مؤكداً: "اليوم رأى الجميع بأعينهم ما كنا نعانيه".






