
ـ مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات جراء الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز لجأت بعض الدول إلى تقليص اعتمادها على العملة الأمريكية ** المحلل المالي والاقتصادي المغربي إدريس العيساوي: - صندوق النقد والبنك الدولي يتعاملان بالدولار ومدفوعات النفط بالأسواق المالية والمبادلات التجارية الدولية ما تزال تتم بالدولار - مجموعة "بريكس" الاقتصادية طرحت فكرة إنشاء عملة مشتركة إلا أن تلك الجهود لم تثمر حتى الآن عملة موحدة فاعلة
بينما تضرب أزمة إمدادات النفط دولا كثيرة، يمر الدولار الأمريكي بمرحلة تذبذب تهدد مكانته في الأسواق المالية، مع استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران على الاقتصاد العالمي.
الحرب ساهمت في تراجع الثقة بواشنطن بوصفها ضامنة للاستقرار، وهو ما دفع إلى تقليل الاعتماد العالمي على الدولار وحده، وتشكيل توجه تدريجي لبعض الدول نحو أصول أخرى مثل الذهب.
تذبذب الثقة بالدولار يأتي مع إغلاق إيران مضيق هرمز منذ بدء الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي، وفرض الولايات المتحدة ابتداء من أمس الاثنين، حصارا على السفن الداخلة إلى المضيق والخارجة منه، وسط ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي ومستويات التضخم جراء الحرب.
ويمر من المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، وتسبب إغلاقه في زيادة تكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار الخام، ما أثار مخاوف من تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.
ولكن يبقى التساؤل قائما، إلى أي مدى يمكن أن تؤثر تلك التذبذبات في جاذبية الدولار عالميا؟ وهذا ما يحاول التقرير الإجابة عنه.
ارتباطات الدولار
المحلل المالي والاقتصادي المغربي إدريس العيساوي، قال للأناضول إن تعاملات النفط في الأسواق العالمية تتم بالدولار، وهذا عنصر قوة للعملة الأمريكية.
وأوضح أن مجموعة "بريكس" التي تضم دولا اقتصادية كبيرة مثل روسيا والصين، سعت في السنوات الأخيرة إلى تقليل الاعتماد على الدولار، من خلال تعزيز المعاملات التجارية بالعملات المحلية وطرح فكرة إنشاء عملة مشتركة للتكتل، إلا أن تلك الجهود "لم تثمر حتى الآن عملة موحدة فاعلة".
وأضاف أنه "من الصعب إيجاد بدائل حقيقية للدولار في الوقت الراهن"، خصوصا أن العملة الأمريكية تستحوذ على أكثر من 57 في المئة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية.
كما تُنفَّذ قرابة 40 في المئة من التجارة العالمية بعملة الدولار، ويجري تسعير وتسديد معظم مبيعات النفط عالميا بالدولار، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي.
وتابع العيساوي: "الدول الأعضاء في بريكس رغم امتلاكها عددا كبيرا من السكان واقتصادات قوية، فإن عملاتها لا تعمل بنفس القوة أو المنطق الذي يعمل به الدولار أو الجنيه الإسترليني، وبالتالي، لا يزال كل شيء مرتبطا بالنظام المالي الحالي كما هو".
وتأسست "بريكس" عام 2006 من جانب البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليها جنوب إفريقيا في 2011 لتتحول إلى منصة دولية للتشاور والتعاون.
وفي أغسطس/ آب 2023، انضمت إلى المجموعة كل من مصر وإثيوبيا والإمارات وإيران في إطار التوسعة، بينما أعلنت البرازيل في يناير/ كانون الثاني 2025 انضمام إندونيسيا أيضا.
مؤشرات تحذيرية
ووفق تحليلات بوسائل إعلام اقتصادية عالمية منها وكالة بلومبرغ، تسبب ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات في زيادة الضغوط على اقتصادات بعض الدول ما دفعها إلى محاولات لتقليل الاعتماد على الدولار.
وأوضحت الوكالة في تقرير نشرته مؤخرا، أن "احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية ببعض الدول تجاوزت قيمة الأصول المقومة بالدولار بعد تعديلها للتقييم للمرة الأولى منذ عدة عقود".
واعتبرت أن "صعود الذهب يعد أحد أبرز المؤشرات التحذيرية، إلى جانب مؤشرات أخرى مثل تراجع حصة الدولار في التجارة العالمية إلى نحو 40 بالمئة، وارتفاع استخدام اليورو واليوان، وانخفاض القروض الدولية المقومة بالدولار إلى 60 بالمئة من الإجمالي، وتراجع حصة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية".
ملاذ آمن
ورغم ذلك، يرى العيساوي أن الدولار سيحافظ على قوته لاعتبارات مالية واقتصادية وتجارية، منها هيمنته على المبادلات التجارية الدولية، والتي أعطته قدرة على التربع على رأس باقي العملات.
وأشار إلى أن "المؤسسات المالية الكبرى مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تتعامل بالدولار".
وقال: "من الصعب تغيير هذا الوضع، خاصة أنه لا توجد حتى الآن أي عملة أخرى استطاعت تعويض الدولار كعملة بديلة للتبادل على المستوى التجاري العالمي".
وأوضح أن تراجع قيمة العديد من العملات أمام الدولار منذ اندلاع الحرب على إيران يرجع بالأساس إلى جوانب تقنية واقتصادية بتلك الدول، خصوصا وأن قيمة العملة تحدد بحسب قوتها في المبادلات التجارية الدولية، حيث يتم تسعير السلع الأساسية بالدولار، ما يعد عنصر قوة آخر للعملة.
واعتبر العيساوي أن الدولار "يبقى ملاذا آمنا، حيث لا يزال مرجعا في تقييم العملات وتحديد قيمة المبادلات، وهذا عنصر حاسم في قوته".
ويتخوف مستثمرون من تفاقم حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، خصوصا مع احتمالية تجدد الحرب بعد تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران.
ويتبادل البلدان اتهامات بالمسؤولية عن عدم إبرام اتفاق، ولم يتضح بعد ما إذا كانا يعتزمان إجراء جولة تفاوضية جديدة خلال هدنة لمدة أسبوعين أعلنا عنها فجر الأربعاء الماضي، بعد حرب بدأت في 28 فبراير/ شباط الماضي، وخلّفت أكثر من 3 آلاف قتيل، بحسب منظمة الطب الشرعي الإيرانية الخميس.








