
يعلمنا المنهج الجدلي (الديالكتيك) التفكير في الأشياء من زاوية معكوسة. ولهذا السبب لا تُستقبل هذه المنهجية بكثير من الترحيب؛ لأنها حين تُطبَّق لا تترك طعمًا مريحًا في الفم. إنها مُرهِقة، مُجهِدة، ولا تترك أي مفهوم قائمًا بذاته. وكما قال القدماء، فهي تفرض علينا التفكير في «المفهوم المخالف»، أي في النقيض. وفي اللحظة التي تظن فيها أنك أنصفت مفهومًا ما، تدفعك إلى التساؤل: «أفلا يكون الإنصاف الحقيقي من نصيب نقيضه؟».
كلمة Dia تحمل في طياتها معاني متعددة الطبقات، وأصلها يوناني. ففي مجال التصوير الفوتوغرافي تشير dia إلى الجانب الإيجابي من الصورة. وعلى هذا الأساس اشتُقّت كلمة day في الإنجليزية، أي «اليوم» حيث يسود الضوء. غير أن معناها الرياضي أعمق وأرسخ؛ إذ يغذي دلالات مثل «الاثنين»، و«الضعف»، و«القطر». فكلمات مثل two في الإنجليزية، وdeux في الفرنسية (وتُلفظ «دو»)، وzwei في الألمانية، ليست سوى صيغ متحولة عن dia.
أما الدلالات اللاهوتية لـ dia فهي لافتة للغاية. فنحن، كمسلمين، نعلم أن الشيطان يكمن في الثنائيات، ويضلّ العباد عبر الازدواجيات. وفي اللغات الغربية نجد تصورًا مشابهًا؛ فكلمة demon في الإنجليزية تنبع من هذا الأصل، ومقابلها في الفرنسية diabolique يدل على الشر، أي على ما هو شيطاني. بمعنى آخر، هم أيضًا يستخدمون «الاثنين» أو «الازدواج» للدلالة على الشيطاني. وقد شرح ألدوس هكسلي هذا الأمر بإسهاب في كتابه «الفلسفة الخالدة».
في ضوء ذلك، قد يبدو أنه لا يبقى أي مانع أمام النظر إلى العقل أو المنهج الديالكتيكي، الذي يُلزمنا بالتفكير في الأضداد، بوصفه عقلًا شيطانيًا والحكم عليه ورفضه. وهنا تحديدًا تبرز مسألة التوحيد بوصفها قضية مركزية؛ فهي التي تقودنا إلى الطريق القويم، إلى الصراط المستقيم. فأن تكون «موحِّدًا» أي جامعًا، هو أن تعي هذا المعنى.
لكني لا أعتقد أن المسألة بهذه البساطة. إذ إن الحكمة الصوفية، التي تشير إلى أن كل شيء قائم بنقيضه، تضعنا أمام تنبيه بالغ الدقة. فبحسب الصوفية، لا يُنال التوحيد، أي السلامة، إلا عبر فهم الأضداد واستيعابها؛ فالإحاطة بالثنائيات شرط سابق لبلوغ الوحدة. والوصول إلى الوحدة لا يكون إلا بتجاوز الأفخاخ الكامنة في الانتقالات المربكة بين الأضداد. ووفق المنهج الصوفي، فإن بلوغ الوحدة مسألة تعالٍ، لا مسارًا خطيًا مباشرًا. ومن هذا المنظور، لا يمكننا الخروج من المأزق عبر تقسيمات تحليلية جامدة أو جداول مصطنعة. فالعقل المُضلِّل لا يُتجاوز إلا بعد معرفته، وهنا يأتي دور المنهج الديالكتيكي.
حين قال الحلاج: «الشيطان رفيق طريقي»، حكم ضيّقو الأفق عليه بأنه ارتكب إثمًا عظيمًا وتعاون مع الشيطان، فأنزلوا به عقابًا قاسيًا. نعم، كما تشير مصادر كثيرة، كان الحلاج يرى في عصيان الشيطان لأمر السجود لآدم نتيجةً لحب مطلق ويقيني لله، وكان يقدّر ذلك في باطنه. لكنني لطالما رأيت أن لهذه العبارة بعدًا ثانيًا، يتعلق بمحاولة فهم عقل الشيطان ذاته.
وسير التاريخ، هو الآخر، ديالكتيكي بطبيعته. كم مرة استسلمنا لسحر الأزمنة التي أوحت لنا بأننا بلغنا نتائج خيرية، وحققنا آمالًا سامية، فأرحنا أنفسنا؟ خذ مثالًا قريبًا: المرحلة الممتدة بين 1870 و1914، التي عُرفت بـ«الزمن الجميل» (Belle Époque) أو «العصر المذهّب» (Gilded Era). في ذلك الزمن الذي لم يشهد حروبًا، اعتقدت الجماهير أن عصر التنوير قد اكتمل، وأن البشرية بلغت «السلام الأبدي» الذي بشّر به كانط. انفجرت العلوم، وبلغت الاكتشافات ذروتها، وحلّق الفن عاليًا.
لكن الحرب العالمية الأولى، التي اندلعت عام 1914 وحصدت خلال أربع سنوات ملايين الأرواح، حوّلت هذا الحلم إلى كابوس. وما إن بدأت الجراح تلتئم، حتى انفجرت أزمة 1929، ثم أعقبها بعد نحو عقد من الزمن اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، بما جعل الأولى تبدو أقل فداحة. واتضح لاحقًا أن «الزمن الجميل» لم يكن سوى سكون يسبق العاصفة.
العالم الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والمعبَّر عنه بمفاهيم مثل «الحرب الباردة» و«توازن الرعب»، حيث انكفأ الجميع إلى بيوتهم يعيشون في قلق وخوف، بدأ يتفكك في تسعينيات القرن الماضي. وعمّ شعور بزمن جميل جديد. تجددت الآمال، وذهب بعضهم إلى إعلان «نهاية التاريخ»، أي تجاوز تناقضات الزمن التاريخي، وأن ما ينتظر البشرية هو «جنة أرضية». وكان أحد أساتذة الجامعة، وقد استغرقه الحماس، يردد في محاضراته وكتاباته أن العولمة نفسها قد تم تجاوزها، وأننا دخلنا عصر «العالم المربّع».
استمر هذا المناخ حتى عام 2008. ثم جاءت أزمة 2008، وتلتها أزمات أخرى، لتُشعرنا بأن «الزمن الجميل» الجديد لم يكن سوى وهم. وجاءت جائحة 2020 فمرّت على الإنسانية كمدحلة ساحقة. أما ما نعيشه اليوم ونحن نقترب من ثلاثينيات هذا القرن، فيشير إلى أننا على أعتاب كارثة جديدة. كانت الراحلة «أليف» تسمي ذلك «التسفّل». نعم، الأحلام العالمية تسير اليوم جنبًا إلى جنب مع تسفّل عالمي فاضح.
النخب الفكرية التي صدّقت سراب «الزمن الجميل» بين 1990 و2010، من «اليسار الجديد» إلى «اليمين الجديد»، كانت تملأ الدنيا صخبًا وتفتن الرأي العام. أما اليوم، فقد صمت كثير منهم وانكفأ إلى عوالمه القاتمة. ولا يزال بعضهم يتكلم، لكنه يعزو فشل السراب لا إلى رؤيته المشوّهة، بل إلى «الآخرين» في الخارج.
غير أنهم لم يعودوا يجدون جمهورًا كما في السابق. وقد حلّ محلهم «استراتيجيون» متسفّلون، كثير منهم يفتقر إلى أدنى عمق فكري. قبل أيام، وأثناء نقاش حول الأحداث في إيران، قال أحدهم في برنامج تلفزيوني إن الحروب التركية–الإيرانية انتهت مع اتفاق قصر شيرين في القرن السابع عشر! وهو جهل فادح بالتاريخ السياسي، إذ يجهل حربين كبيرتين على الأقل وقعتا في القرن الثامن عشر وكانت لهما نتائج جسيمة. إن التسفّل لا يقتصر على السياسيين وحدهم؛ فالنخب الفكرية تنال نصيبها منه أيضًا.
أنصحكم بالتحصّن من أولئك الذين أوصلوا عقولهم مباشرةً بالأحداث الجارية، ويستخرجون منها باستمرار «نتائج مبهجة» و«بشارات» قائمة على تأويلات مفرطة. حافظوا على أنفسكم، وحاولوا ما أمكن التفكير ديالكتيكيًا، وألا تتخلّوا عن اختبار الاحتمال المضاد لكل تطور، وربط الوقائع المتناثرة ببعضها بعضًا. فالمنهج الديالكتيكي لا يعني التعاون مع الشيطان، بل يعني فك شيفرة عقله. أعلم أن هذا طريق مقلق ومزعج، لكنه أَولى من أن نكون سُذج التاريخ.
اسم BIST محمي مع الشعار وفق شهادة ماركة محمية، لا يجوز الاستخدام دون إذن، ولا يجوز الاقتباس ولا التحوير، كل المعلومات الواردة تحت شعارBIST محفوظة باسم BIST ، لا يجو إعادة النشر. بيانات السوق توفرها شركة iDealdata Finans Teknolojiler A.Ş. بيانات أسهم BİST تتأخر 15 دقيقة