بعد قرن من الاندثار.. مساعٍ "لإحياء" مقبرة عثمانية في بريطانيا

10:0624/03/2026, الثلاثاء
تحديث: 24/03/2026, الثلاثاء
الأناضول
بعد قرن من الاندثار.. مساعٍ "لإحياء" مقبرة عثمانية في بريطانيا
بعد قرن من الاندثار.. مساعٍ "لإحياء" مقبرة عثمانية في بريطانيا

- في ليفربول، يرقد 31 جنديًا عثمانيًا منذ حرب القرم، وسط جهود أكاديمية ورسمية لإعادة إحياء الموقع الذي تحوّل إلى حديقة عامة عام 1914 - أُعيد اكتشاف المقبرة بعد نحو 170 عامًا بجهود الباحث محمد حسنوف، من خلال دراسة دكتوراه أجراها في جامعة أكسفورد - حسنوف: مقبرة ليفربول الأكبر لجنود عثمانيين في بريطانيا ما يمنح مشروع إحيائها أهمية تاريخية خاصة



في مدينة ليفربول غربي بريطانيا تقع "أكبر" مقبرة معروفة لجنود عثمانيين في البلاد، غير أن معالمها اختفت وتحول موقعها إلى حديقة عامة منذ ما يزيد على قرن من الزمان.

يضم الموقع رفات 31 جنديًا من الدولة العثمانية توفوا في منتصف القرن التاسع عشر أثناء وجودهم في بريطانيا في أعقاب حرب القرم.

قصة تاريخية ظلت طي النسيان نحو 170 عامًا قبل أن يعاد اكتشافها مؤخرًا، وسط مساعٍ لإعادة الاعتبار لهذا الإرث الإنساني والتاريخي.

وتقع المقبرة في موقع تم تحويله عام 1914 إلى حديقة عامة تعرف باسم "غرانت غاردنز"، رغم أن رفات الجنود لا تزال في أماكنها، ما يجعل المشروع المرتقب خطوة لإعادة الاعتبار لهذا الموقع التاريخي.

جذور المقبرة

تعود القصة إلى حرب القرم (1853–1856) بين الدولة العثمانية وروسيا، حين تعرّض الأسطول العثماني لضربة كبيرة في سينوب، ما دفع الدولة إلى وضع خطة لتحديث السفن المتبقية.

وفي هذا السياق، أُرسلت الفرقاطة العثمانية "غيفاني بحري"، وهي من أكبر السفن آنذاك بطول بلغ 164 مترًا، إلى مدينة ليفربول البريطانية لتحويلها إلى سفينة بخارية، في إطار التعاون مع الحلفاء.

وصلت السفينة إلى ليفربول في 17 يونيو/ حزيران 1856 وعلى متنها طاقم مكون من 360 فردا، غير أن الأمراض الوبائية، التي كانت شائعة بين البحارة في تلك الفترة، سرعان ما تفشت بين الجنود.

سُجلت أول حالة وفاة للبحار حسن محمد، الذي كان في الثلاثينيات من عمره، ودُفن وفق الشعائر الإسلامية في مقبرة "ليفربول نيكروبوليس".

وخلال فترة بقاء السفينة في المدينة حتى 8 مايو/ أيار 1857، توفي 29 جنديًا آخر، بينهم ضابط، نتيجة الأمراض.

دفن جميع المتوفين في أرض اشترتها الدولة العثمانية إلى جانب قبر حسن محمد، ما أدى إلى نشوء مقبرة إسلامية في المنطقة حيث يرقد الجنود العثمانيون.

كما دفن لاحقًا جندي آخر يدعى محمد علي، توفي إثر انفجار في غرفة الغلايات بسفينة عثمانية أخرى كانت في ليفربول لأعمال تركيب معدات، ليصل عدد المدفونين إلى 31 جنديًا.

تحوّل الموقع إلى مقبرة

ابتداءً من عام 1890، ومع تطورات شهدتها المدينة، تشكّل حول الموقع مقبرة للمسلمين، خاصة مع وجود القنصلية العثمانية في ليفربول، وظهور شخصيات محلية بارزة اعتنقت الإسلام، من بينهم محام يدعى عبد الله كويليام.

وأسهم كويليام في إنشاء مسجد قرب المقبرة، وكان على علم بوجودها، فبدأ بدفن المسلمين المتوفين في الموقع.

لكن المقبرة أُغلقت عام 1898 بعد امتلائها، رغم وجود مقترحات آنذاك لإنشاء مقبرة إسلامية جديدة، إذ بعث القنصل العثماني محمد كامل بك رسالة مباشرة إلى السلطان عبد الحميد الثاني بهذا الشأن، إلا أن المشروع لم ينفذ بسبب تعقيدات إدارية.

ومع نقل القنصل محمد كامل بك من منصبه، طوى النسيان المقبرة، إلى أن جرى تحويل كامل الموقع عام 1914 إلى حديقة عامة، ما أدى إلى طمس معالمها بالكامل.

اكتشاف من جديد

أُعيد اكتشاف المقبرة بعد نحو 170 عامًا بجهود الباحث محمد حسنوف، من خلال دراسة دكتوراه أجراها في جامعة أكسفورد حول القنصليات العثمانية في ليفربول ومانشستر.

وخلال بحثه في الأرشيف المحلي عام 2020، عثر حسنوف بالصدفة على خبر عن جنازة حسن محمد، ما دفعه إلى تتبع القصة وكشف تفاصيل المقبرة.

وأشار إلى أن الدولة العثمانية كانت قد حصلت على ضمانات من السلطات المحلية لحماية المقبرة، في وقت كانت فيه سرقة القبور شائعة.

وأكد في دراسته أن خرائط المقبرة الأصلية لا تزال متوفرة، وتظهر مواقع القبور وأرقامها، رغم اختفاء شواهدها، موضحًا أن رفات المدفونين فيها لم تنقل بل بقيت في مكانها.

وبيّن أن شاهدة القبر الوحيدة المعروفة تعود لضابط يُدعى مصطفى أنور بك، وقد وضعت في ستينيات القرن التاسع عشر بمبادرة من القنصل الفخري العثماني في ليفربول، بيير موسابيني، إلا أن الكتابة بالأحرف العربية الموجودة على الشاهدة اندثرت مع الزمن.


جهود لإحياء الموقع

وبعد كشف الموقع، نقل حسنوف القضية عام 2023 إلى القنصلية التركية في مانشستر، حيث جرى التواصل مع بلدية ليفربول للعمل على مشروع لإحياء المقبرة.

ويهدف المشروع إلى إعادة تنظيم الموقع وإقامة نصب تذكاري يخلّد الجنود المدفونين فيه، خاصة مع اقتراب الذكرى الـ170 لوصول السفينة العثمانية إلى المدينة.

وفي حديث مع الأناضول، أشار حسنوف إلى أن العمل يسير بوتيرة بطيئة من قبل السلطات المحلية منذ نحو عام ونصف.

ولفت إلى وجود ثلاث مقابر أخرى في بريطانيا، يرقد فيها جنود أتراك، هي مقبرة بورتسموث البحرية وتضم 26 جنديًا، ومقبرة بروكوود الجوية وتضم 14 جنديًا، ومقبرة جزيرة مان وتضم 7 جنود.

وأشار في ختام حديثه إلى أن مقبرة ليفربول تبقى الأكبر بين تلك المقابر، ما يمنح مشروع إحيائها أهمية تاريخية خاصة، باعتبارها شاهدًا على صفحة مهمة من الوجود العثماني في بريطانيا.

#غرانت غاردنز
#ليفربول
#مقبرة شهداء أترا