تحت شعار كيف يُنقذ هذا الوطن؟

07:0119/01/2026, الإثنين
تحديث: 28/01/2026, الأربعاء
ياسين اكتاي

كيف هُزمنا في نهاية الحرب العالمية الأولى، وكيف انتهت تلك الهزيمة بانهيار الدولة العثمانية وتراجعنا من إمبراطورية مترامية الأطراف إلى حدود الأناضول، هو موضوع لم يُناقَش بما يكفي. فعلى مدى سنوات طويلة، وبسبب عجزنا عن تقبّل فكرة الهزيمة، استمعنا إلى روايات تقول إن حلفاءنا، أي الألمان، هم الذين هُزموا في الحرب، ولذلك اعتُبرنا مهزومين حكمًا فقط. وإلا فكيف يمكن أن نُهزم نحن أصلًا؟ وهناك رواية أخرى لا تزال تتكرر حتى اليوم دون تمحيص أو إخضاع للمعايير التاريخية أو المنطقية، وهي أن العرب طعنونا من الخلف،

كيف هُزمنا في نهاية الحرب العالمية الأولى، وكيف انتهت تلك الهزيمة بانهيار الدولة العثمانية وتراجعنا من إمبراطورية مترامية الأطراف إلى حدود الأناضول، هو موضوع لم يُناقَش بما يكفي. فعلى مدى سنوات طويلة، وبسبب عجزنا عن تقبّل فكرة الهزيمة، استمعنا إلى روايات تقول إن حلفاءنا، أي الألمان، هم الذين هُزموا في الحرب، ولذلك اعتُبرنا مهزومين حكمًا فقط. وإلا فكيف يمكن أن نُهزم نحن أصلًا؟

وهناك رواية أخرى لا تزال تتكرر حتى اليوم دون تمحيص أو إخضاع للمعايير التاريخية أو المنطقية، وهي أن العرب طعنونا من الخلف، ولذلك لم يعد لنا مجال للبقاء في الجغرافيا العربية فانسحبنا منها. غير أن القبول بانهيار جيش عثماني عظيم بسبب خيانة الشريف حسين أو انتقال بضع عشائر عربية إلى صف الإنجليز، أمر لا يستقيم لا عقلًا ولا منطقًا ولا تاريخًا.


والحقيقة أن عربًا كُثُرًا قاتلوا في صف الدولة العثمانية حتى اليوم الأخير، بل واصل بعضهم القتال إلى جانبها حتى بعد انسحابها من الحرب، وكتبوا في ذلك ملاحم خالدة. وقد أشرنا إلى هذا الأمر سابقًا. ويكفي النظر إلى جبهات جناق قلعة، وساريقاميش، وكتّ العمارة، وحركة السنوسيين، والدفاع عن المدينة المنورة، وعز الدين القسام، وفوزي قاووقجي، وإلى المعارك التي خيضت في سوريا والعراق باسم الدولة العثمانية حتى بعد سقوطها.


والواقع أن فكرة الانسحاب من الجغرافيا العربية كانت قد ترسّخت في أذهان ضباط «الاتحاد والترقي» منذ وقت مبكر جدًا، إلى درجة أن انضمام بعض العشائر العربية إلى الجانب البريطاني لم يكن سوى عامل خدم تلك النيات والخطط القائمة أصلًا، ولم يكن لتلك العشائر من القوة أو القدرة ما يجعلها تلعب دورًا حاسمًا في هذا المسار.


لا أكاد أترك هذه الأيام كتاب شكري هانيوغلو الذي تناول فيه سيرة مصطفى كمال من أبعادها الفكرية والذهنية. وأعود إلى مراجعه، فأجد فيه فتحات تحليلية لافتة، وتنبيهات إلى معارف وأحداث كانت، في الحقيقة، ماثلة أمام أعيننا داخل التاريخ.


من ذلك، على سبيل المثال، الأفق الجديد لتركيا الذي ظهر في النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين عام 1907 حول مستقبل الدولة العثمانية.


يوضح هانيوغلو أن قراءة تاريخية بدأت تكتسب رواجًا في أوساط المدرسة الحربية التي تخرّج فيها مصطفى كمال، وكانت هذه القراءة تشير إلى التخلي الفعلي عن الفكرة العثمانية. فقد انطلق هؤلاء من أن الدولة العثمانية المتعددة الثقافات والأعراق باتت تُصعّب إدارة البلاد، وتُعيق تحقيق مشروع أيديولوجي قومي، فبدأت فكرة إنشاء دولة صغيرة، يقطنها الأتراك فقط أو يكون الأتراك فيها أغلبية ساحقة، والتخلص مما عُدّ «فوائض»، تحظى بقبول متزايد بين الضباط العثمانيين. وينقل هانيوغلو عن أحد القادة المنتمين إلى القيادة العليا لـ«الاتحاد والترقي» قوله:

«إن تألّف أمة من عناصر متعددة… وما يحمله كل عنصر من خصائص وأهداف مختلفة، ينطوي على قابلية لتفكيك الأمة، بل والجيش أيضًا» (إسماعيل حافظ حقي، الهزيمة، ص 57).


وكان المثال العملي الذي أقنع هؤلاء الضباط بهذه الفكرة هو نجاح اليابان، ذات البنية القومية المتجانسة، في مواجهة روسيا متعددة القوميات.


تُظهر هذه الأمثلة أن الميل إلى الانسحاب من الجغرافيا العربية، وبناء دولة متجانسة تحكم مجتمعًا تركيًا صرفًا، بدأ يتشكّل في أذهان الضباط العثمانيين منذ تلك السنوات المبكرة. ومع أن الدولة العثمانية كانت لا تزال قائمة، فإن هؤلاء الضباط تبنّوا بقوة فكرة أنها آيلة إلى الانهيار، فاعتنقوا — وهم المسؤولون عن حمايتها — مشروعًا فكريًا يقود إلى تقليصها وحصرها داخل حدود الأناضول بدل الحفاظ عليها.


وكان لا بد لهذا التوجّه من أن يقوم على فكرتين متلازمتين:

الأولى، خلق مسافة عاطفية وأيديولوجية تُقصي العرب وغيرهم من رعايا الدولة العثمانية.

والثانية، إعادة تعريف «التركية» من جديد، وبنائها وصياغتها كهوية مستقلة.


ولا سيما أن «تركية» لا تستطيع التعايش مع العرب، كان لا بد لها — قبل كل شيء — من أن تُنزَع عنها روابطها الإسلامية. فالتاريخ المشترك الذي عاش فيه الأتراك والعرب قرونًا طويلة، وأقاموا معًا دولتي السلاجقة والعثمانيين الممتدتين على ثلاث قارات، لم يعد ذا قيمة، بل كان لا بد من تقزيمه. وعلى النقيض، جرى الترويج لفكرة أن للأتراك، قبل الإسلام وقبل العرب، تاريخًا أعرق وإمكانات قيادية أعظم. وإن لم يكن هذا التاريخ موجودًا، فسيُختلق.


في تلك المرحلة، برز اهتمام كبير بالتاريخ التركي ما قبل الإسلام بين الضباط العثمانيين. ويشير هانيوغلو إلى تأثير نجيب عاصم وسليمان حسني باشا، اللذين كانا يدرّسان الفرنسية في المدارس العسكرية.

وقد ألّف نجيب عاصم عملًا تاريخيًا مستندًا إلى كتاب دافيد ليون كاهون مدخل إلى تاريخ آسيا: الأتراك والمغول من الأصول حتى عام 1405، وهو كتاب ترك أثرًا عميقًا في مصطفى كمال نفسه، وركّز على الدور المحوري للأتراك في تاريخ العالم. وقد ذهب مصطفى كمال إلى تعميم هذه الأفكار بصورة أكثر راديكالية، قائلًا:

«إن الأتراك، الذين عاشوا سادةً عبر القرون، لا يمكن أن يخضعوا بطبيعتهم لحكم هؤلاء اللصوص [العرب]. ولم يكن ممكنًا لهم أن يتحولوا من سادة إلى موالٍ [عبيد] بقبولهم الإسلام ولم يدخل الأتراك الإسلام جماعيًا إلا بعد أن قرروا أن يكونوا سادةً على العرب الذين أرادوا جعلهم موالي» (التاريخ، الجزء الثاني، العصور الوسطى، وزارة المعارف، إسطنبول، 1931، ص 146).


ورغم أن هذه الأفكار لم تكن سائدة بين جميع الضباط العثمانيين، فإنها حظيت بقبول واسع لدى شريحة مؤثرة منهم.


وفي هذا السياق، يشير هانيوغلو إلى أن مصطفى كمال، بعد تعليمه في الإعدادية والحربية بوصفه من «أبناء الفاتحين»، تبنّى منذ شبابه مواقف راديكالية في مجال القومية التركية. فحتى عام 1907، طرح فكرة إقامة «دولة تركية» ضمن «حدود قومية» نتيجة تصفية الأقاليم التي لا يشكّل فيها الأتراك أغلبية. وبرأيه، كان هذا الانكماش سيؤدي إلى نشوء بنية أكثر تجانسًا وقوة، ويتحرر المجتمع من العناصر غير التركية التي تعيق تحوّله إلى أمة. ومن شأن هذا التجديد أن يمهّد الطريق لخلق «أمة تركية مسلّحة» (شكري هانيوغلو، أتاتورك، ص 102).


والمثير للاهتمام أن مشروع «الأمة التركية المنكفئة داخل حدود قومية» قُدّم آنذاك، في أوساط الضباط العثمانيين، بوصفه سبيلًا لـ«إنقاذ الإمبراطورية». لكن كيف يمكن إنقاذ إمبراطورية عبر الانسحاب من معظم أراضيها وتسليمها للآخرين؟


ممن كانت الدولة العثمانية ستُـنقَذ؟

وفي عام 1907، حين كانت الدولة قائمة بكل مكوناتها، ما موقع مثل هذا «الإنقاذ» في الواقع؟


والسؤال الأهم: ما العلاقة بين هذا التصور الفكري، وبين فقداننا، في نهاية الحرب العالمية الأولى، كامل وجودنا في الشرق الأوسط لصالح البريطانيين والفرنسيين؟

يتبع..

#الأتراك والعرب
#الدولة العثمانية
#كمال أتاتورك